عبد القادر الجيلاني

358

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

ومنهم الشيخ القدوة الشيخ عثمان بن مرزوق القرشي المتقدم ذكره رضي اللّه عنه كان من أعيان المشايخ بمصر وصدور المقربين وأكابر المحققين صاحب الكرامات والأحوال والمقامات والأفعال والإشارات العلية والهمم المرضية وهو أحد من أبرزه اللّه إلى الوجود وصرفه فيه وقلده التصرف في الأحوال وجمع له بين علمي الشريعة والحقيقة وكان رضي اللّه عنه حنبلي المذهب لطيفا عفيفا . وله كلام لطيف على لسان أهل المعرفة ومنه الطريق إلى معرفة اللّه وقدرته وصفاته الفكر والاعتبار بحكمة آياته ولا سبيل للألباب إلى معرفة كنه ذاته ولو تناهت الحكم الإلهية في أحد العقول وانحصرت القدرة الربانية في درك العلوم لكان ذلك تقصيرا ونقصا في القدرة لكن احتجبت أسرار الأزل عن العيون كما احتجبت أسرار الجلال عن الأبصار فقد رجع معنى الوصف في الوصف وعمي الفهم عن الإدراك ودار الملك في الملك ورجع المخلوق إلى مثله واشتد الطلب على شكله وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا فجميع المخلوقات من الذرة إلى العرش سبل موصلة إلى معرفة اللّه وحجج بالغة على أزليته والكون كله ألسن ناطقة بوحدانيته والعالم كله كتاب يقرأ حروف أشخاصه المتبصرون على قد بصائرهم يا هذا من لم يجد في قلبه زاجر فهو خراب ومن لم تمطر أراضي فهمه من غيث المعرفة فهو سحاب ومن لم يصبر على صحبة مولاه ابتلاه بصحبة العبد ودليل وحشتك من الخلق أنسك بمولاك وكان رضي اللّه عنه يتمثل بهذه الأبيات : يا غارس الحب بين القلب والكبد * ومن يحلّ محل الروح في الجسد يا من يقوم مقام الموت فرقته * هتكت بالصدّ ستر الصبر والجلد قد جاوز الحب في أعلا مراتبه * فلو طلبت مزيدا منه لم أجد إذا دعا الناس قلبي عنك مال به * حسن الرجاء فلم يصدر ولم يرد إن ترضني لم أدر ما دمت لي بدلا * وإن تغيرت لم أسكن إلى أحد قال مؤلّف روضة الأبرار ومحاسن الأخيار أنه توفي ودفن عند قبر الشافعي رضي اللّه عنه بمصر رضي اللّه عنه وقال مؤلف بهجة الأسرار أبو عمر وعثمان بن مرزوق بن حميد بن سلامة القرشي الحنبلي سكن مصر واستوطنها وبها مات سنة أربع وستين وخمسمائة وقد جاوز السبعين ودفن بقرافتها شرقي قبر الشافعي رضي اللّه عنه مما يلي سارية قبره وقبر ظاهر يزار رضي اللّه عنه .